حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
61
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
المتلبس بثوب أطمار . وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا وكفى به وعيدا . ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله أَ فَمَنْ يُلْقى إلخ . وقوله يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لآمنا أو ليأتي . ثم هددهم بقوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إلخ . ثم أبدل من قوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه ، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله لا يَخْفَوْنَ وإنه كلام مستأنف . وعلى هذا فاختلفوا في خبر « إن » . فالأكثرون على أنه أُولئِكَ يُنادَوْنَ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر . وقيل : خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك . وقيل : هو محذوف . ثم اختلفوا فقال قوم : إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم . وقال آخرون : هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك ، وهذا يمكن تقديره بعد قوله لَمَّا جاءَهُمْ وبعد قوله مِنْ خَلْفِهِ وبعد قوله حَمِيدٍ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب ، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته . ثم أكد هذا الوصف بقوله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال جار اللّه : وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء . وقيل : أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه . وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعما منه أن النسخ نوع من البطلان ، ولا يخفي ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته . تَنْزِيلٌ أي هو منزل مِنْ إله حَكِيمٍ في جميع أفعاله حَمِيدٍ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه . ثم سلى نبيه عليه السلام بقوله ما يُقالُ لَكَ وفيه وجهان : أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم . إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للمحقين وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ للمبطلين ، ففوض الأمر إلى اللّه واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه . وثانيهما ما يقول لك اللّه إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم . ويجوز أن يكون المقول هو قوله إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه . كانوا يقولون : لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتا منهم فأجابهم اللّه بقوله وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا معترضين منكرين لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ أي بينت بلسان نفهمه . أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي ؟ وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب ، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن ، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول : وقد